دراسات إسلامية

 

 

الماء أصل الحيا فقيمته لدى الإسلام كبيرة جليلة

 

بقلم : أسامة نور القاسمي، الباحث بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة دهلي

 

 

 

     الماء من نعم الله العظيمة الجليلة ذات الأهمية البالغة، التي أفاض بها الله سبحانه علينا وعلى الكون بأسره، ولايمكن أن يكون أبلغ وأدلّ في بيان أهميته القصوى من قول الله عزّ وجلّ: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْـمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤمِنُونَ» (سورة الأنبياء، الآية:30)، إن الماء هبة إلهية وعطية ربّانية، ويجيء ذكر الماء في القرآن الكريم ثلاثاً وستين مرةً، ومن ثم فهو أساس الحياة، ومن يريد أن يتأكد لديه هذا المعنى، فليراجع آيات الماء في القرآن الكريم وما ارتبط به من المعاني التي هي من ألزم اللوازم للمخلوقات جميعاً.

     وإذا تأملنا وجدنا أن الماء هو سبيل كلّ تقدم وازدهار، وتمدن وتحضر؛ وأنه أحد المقومات الأساسية للحضارات الإنسانية قديماً وحديثاً، وسيظلّ كذلك إلى يوم الحساب. وقد وَرَدَ في كل من كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرالماء كعنصر أساسي للحياة على الكوكب الأرضيّ، يجب الحفاظ على بقائه بخصائصه ومزاياه التي خلقه الله عليها، لاستمرار الحياة والأحياء في هذه الدنيا.

     قال تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْـمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» (سورة الأنبياء، الآية:30). وقال أيضاً: «وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ» (سورة النور، الآية:45).

     وقد ذكر الله عزّ وجلّ الماء بصفات مختلفة تؤكد أن الماء له خصائص جمة ومزايا كثيرة؛ فهو «طَهُورٌ» والطهوريّةُ صفة عظيمة للماء، تجعله ذا أهمية فريدة في الشريعة الإسلامية، و«الماء الطهور» هو أحسن دَرجات الماء الذي يستعمله المسلم في الطهارات كالوضوء والغسل، وما إلى ذلك. قال تعالى: «وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا» (سورة الفرقان، الآية:48) كما أخبرنا الله تعالى أن الماء «مبارك» والمُبَارَكِيَّةُ صفة لا تعدلها صفة من الصفات، فكونُ الماء محيياً للأرض بعد موتها، ومنبتاً للزروع والثمار والأشجار والنباتات بأنواعها، و واهباً للأرض زينتَها من الخضرة والخصوبة.. كلُّ ذلك يرجع إلى هذه الصفة العظيمة التي لا توجد إلاّ في الماء.

     فيقول تعالى: «وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وحَبَّ الْحَصِيْدِ» (سورة ق، الآية:9) وكونُ الماء «مباركاً» أي حاملاً لهذه الخصيصة التي ذكرها الله عز وجل بقوله: «فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وحَبَّ الْحَصِيدِ» يتطلّب منّا نحن الإنسان الذي ولد على عدم إدراك قيمة النعمة ما دامت متوفرة والتحسّر عليها بعد فواتها ألا يُلَوِّثه ولا يفسده، حتى لا يعود حاملاً لتلك الصفة الجليلة؛ بل يصير مفسدًا للأرض الصالحة للزروع والثمار.

     و وصف الله تعالى الماء أيضاً بأنه «فرات» فيقول تعالى: «وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً» (سورة المرسلٰت، الآية:27). والفرات: هو الصافي النقي؛ ولكنّ الإنسان الظلوم الجهول يكدره بالشاوائب الكثيرة التي لا تُـحْصَىٰ يلقيها فيه، من مخلفات المصانع الكيماويّة ومصانع السكّر ومصانع الصلب والحديد، وما إلى ذلك من المخلفات الكثيرة التي لاتفسد فقط الماء الجاري في الأنهار والبحار، وإنما تفسد كذلك المياه الجوفيّة.

     وقد جاء ذكر الماء في القرآن الكريم مرات كثيرة مرتبطاً بالأرض التي قد تكون «ميتة» وقد تكون «خاشعة» وقد تكون «هامدة» فينزل الله عليها الماء الذي هو إكسير الهي معجز، فتهتز وتُنْبِت كل ما هو مُخضَرٌّ رائق بهيج، فكأن الماء بالنسبة إلى ذلك بمثابة الروح للجسد. وقد بيّن الله عزّ وجلّ هذه الحقائق في كثير من آيات كتابه الخالد، ليفكر الإنسان فيها، فيقدر هذه النعم التي هي أغلى النعم لبقاء الحياة واستمراريتها على كوكبنا الأرضي، ويجتنب كلَّ الاجتناب كلَّ شيء يضيعها أو يفسد طبيعتها الصالحة التي تضمن لها هذا التأثير السحري العجيب الذي يظلّ يحير الألعاب ما دامت السماوات والأرض.

     يقول تعالى: «ألَـمْ تَرَ أنّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرضُ مُخْضَرَّةً إنَّ الله لَطِيْفٌ خَبِيْرٌ» (سورة الحج، الآية:63). ويقول: «وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَى بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا» (سورة الجاثية، الآية:5). ويقول تعالى: «وَاللهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَحْيَى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إنّ فِيْ ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ» (سورة النحل، الآية:65). ويقول تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَىٰ بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ» (سورة العنكبوت، الآية: 63). ويقول تعالى: «وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْـمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيْجٍ» (سورة الحج، الآية:5). ويقول جل شأنه: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فإذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ» (سورة فصلت، الآية:39). ويقول عز وجل: «فَانْظُرْ إلىٰ آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إنَّ ذٰلِكَ لَـمُحْييِ الْـمَوْتىٰ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ» (سورة الروم، الآية:50).

     ونزول الماء من السماء إلى الأرض وإحياء الله تعالى إيّاها بعد موتها وَجَفَافها ومَحْلِها من نتائجه الطبيعيّة الزروعُ والحبوب والأشجار والثمار والفواكه والخضرة البهيجة والكلأ الذي به حياة البهائم والعجماوات التي لا تأكل إلاّ العلف والتبن وترعى الكلأ، وترتع في الخضرات وتتغذى بالنباتات، وكلها نعم الله على عبادهِ، رحمةً بهم يقول تعالى: «وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتّى كُلُوْا وَارْعَوْا أنْعَامَكُمْ إنَّ فِيْ ذٰلِكَ لاٰيٰت لِأُولِى النُّهىٰ» (سورة طه، الآيتان: 53، 54). ويقول تعالى: «وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ» (سورة النمل، الآية:60). ويقول «وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ» (سورة إبراهيم، الآية:32). ويقول سبحانه: «أَلَـمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيْعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ» (سورة الزمر، الآية:21). ويقول: أَوَلَـمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْـمَاءَ إلى الْأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أنْعَامُهُمْ وأَنْفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُوْنَ» (سورة السجدة، الآية:27). ويقول: «هُوَ الَّذِيْ أنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ ومِنْهُ شَجَرٌ فِيْهِ تُسِيْمُونَ» (سورة النحل، الآية: 10).

     على كل فالحياةُ وُجِدَت على الأرض منذ بدء الخليقة وستبقى إلى يوم القيامة مرتبطة بالماء. وقد لُوحِظَ منذ أقدم العصور التأريخية أن الماء هوالعنصر الأساسي للحياة وأينما وُجِدَ الماء وُجِدَتْ مظاهر الحياة. وقد ارتبطت الحضارات القديمة ارتباطاً وثيقاً بموارد المياه العذبة، ولهذا كان البدو يتجمعون في الواحات حول عيون الماء، وقد أثبت علم الخليّة اليوم أن الماء هوالمكون المهم في تركيب مادة الخلية، والماء يكون نحو 90٪ من أجسام الأحياء الدنيا، ونحو 60٪ - 70٪ من أجسام الأحياء الراقية بما في ذلك الإنسان، ويتفق ذلك مع ما قاله المفسرون عن الآية الكريمة «وَجَعَلْنَا مِنَ الْـمَاءِ كُلَّ شيءٍ حَيّ»؛ حيث قالوا: إنّ الماء هو سبب حياة كل شيء حي على سطح الأرض أو الجوّ أو البحر، وبدون الماء لايمكن لخلايا الجسم أن تتلقى الغذاءَ؛ فالماء مُكَوِّن رئيس لأجهزة نقل الغذاء في الكائنات الحية.

     وقد أثبت علم الكيماء الحيويّة أن الماء عنصر لازم لحدوث جميع التفاعلات والتحوّلات دَاخل أجسام الأحياء، كما أثبت علم وظائف الأعضاء أن الماء ضروري لقيام كل عضو في جسم الإنسان بوظائفة الموكولة إليه من قبل الله عز وجلّ.

     وقد أكد العلم الحديث هو الآخر أن المياه بأنواعها ضرورية للحياة على وجه الأرض، بغض النظر عن كونها عذبة أو مالحة، فكل منهما لابدّ منهما للحياة بالنسبة إلى كثير من الكائنات الحيّة.

     كما أن المطر ضروريّ لنمو النباتات التي تتغذى عليها الحيوانات ويتغذى عليها الإنسان، وبدون هذا الماء تكون الأرض مواتاً، فجعله الله تعالى عصب الحياة وسرّها وأنزله رحمة بعباده ومخلوقاته؛ فهو نعمة من أجلّ النعم التي تستوجب شكر المنعم، وحقيقة الشكر لا تكون إلاّ بالحفاظ على كل قطرة منه وعلى أصالته. ولذلك أمر الإسلام باجتناب الإسراف في استخدام الماء، وأمرتنا الشريعة بترشيد المياه حتى لا يأتي اليوم الذي يبحث فيه الإنسان عن قطرة الماء فلا يجدها. وهذه النعمة لا يعرف قدرها إلاّ من ذهب إلى بعض البلدان المتصحرة والأمكنة التي لايوجد فيها الماء إلاّ قليلاً، أو لا يوجد ألبتة.

     عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل أو يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد»، والمدُّ: هو حفنة الماء وهذا قليلٌ جدًّا، ومع ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأ به ولا يزيد عليه حتى ولو كان على ماء جار؛ حتى تتعلم منه الأمة اجتناب الإسراف في استخدام الماء. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف يا سعد»، فقال: أَوَ في الوضوء سرف؟ قال: «نعم ولو كنتَ على نهر جار»(رواه أحمد وابن ماجه).

     ولهذا قال الفقهاء يكره زيادة الماء في الوضوء أو في الغسل عن ثلاث وفي قول آخر لايجوز، ويقول الإمام الترمذي: وقد أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو على شاطئ نهر. (سنن الترمذي).

     وهذه الدراسة الموجزة التي أسلفناها، تؤكد أن نتعامل مع نعمة المياه من خلال منظور إسلامي بعدم إهداره وإضاعته أو تلويثه حتى لانقع تحت طائلة من قال الله تعالى عنهم: «ألَـمْ تَرَ إلَى الَّذِيْنَ بَدَّلُوْا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وأَحَلُّوْا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ» (سورة إبراهيم، الآية:28).

     والله وحده ولي التوفيق لكل خير.

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية – رجب 1434 هـ = أبريل - يونيو 2013م ، العدد : 6-7 ، السنة : 37